يرى الكاتب عيران تبول أن الأنظار تتجه اليوم نحو إيران، لكن خلف هذا التركيز يظهر ملف استراتيجي آخر لا يقل أهمية: طريق التجارة عبر البحر الأحمر. يشرح تبول أن هذا الممر البحري اكتسب خلال الأشهر الأخيرة أهمية متزايدة في حسابات القوى الإقليمية والدولية، خصوصًا مع تصاعد التنافس على النفوذ في منطقة القرن الأفريقي.

 

وتشير الجيروزاليم بوست إلى أن نحو 15% من التجارة العالمية يمر عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وهو ما يجعل هذا الطريق واحدًا من أهم الممرات البحرية في الاقتصاد العالمي، إذ يوفر زمنًا وتكلفة أقل مقارنة بطرق الشحن البديلة.

 

صعود الدور التركي في البحر الأحمر

 

تسعى تركيا، وفق تحليل الكاتب، إلى توسيع نفوذها في منطقة البحر الأحمر مستفيدة من التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط. فقد عمل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال السنوات الأخيرة على تعزيز الصناعات الدفاعية التركية، مستفيدًا من استثمارات قطرية كبيرة في قطاع الدفاع.

 

أسهمت هذه الاستثمارات في تطوير القدرات البحرية التركية وصناعة الطائرات المسيّرة، وهو ما منح أنقرة أدوات إضافية لتوسيع حضورها العسكري والسياسي في عدة مناطق، من ليبيا وسوريا إلى شرق المتوسط والصومال.

 

واستخدمت أنقرة هذه القدرات لتوسيع وجودها في الصومال تحديدًا، حيث عززت حضورها العسكري هناك، في خطوة يرى مراقبون أنها جزء من استراتيجية أوسع لبسط النفوذ على طرق التجارة الحيوية في البحر الأحمر.

 

تراجع إيران وفتح المجال أمام قوى جديدة

 

يعتبر الكاتب أن تراجع نفوذ إيران الإقليمي شكّل فرصة استراتيجية للرئيس التركي. فقد أضعفت الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران قدراتها الإقليمية وشبكات حلفائها، الأمر الذي خلق فراغًا جيوسياسيًا تسعى قوى أخرى إلى ملئه.

 

في هذا السياق يحاول أردوغان تقديم نفسه بوصفه قائدًا للعالم السني، خاصة في ظل التوترات الإقليمية المتصاعدة. ويشير الكاتب إلى أن هذا الطموح يتزامن مع تصاعد هجمات إيران على عدد من دول الخليج مثل السعودية والإمارات وقطر والبحرين والكويت وسلطنة عمان.

 

كما تواجه إيران ضغوطًا إضافية مع تهديد برامجها العسكرية، بما في ذلك برنامج الصواريخ الباليستية، وهو ما يضعف قدرتها على الردع ويزيد من احتمال فقدان دورها التقليدي في موازين القوى الإقليمية.

 

سباق التحالفات في القرن الأفريقي

 

مع تصاعد المنافسة في البحر الأحمر بدأت دول عدة في بناء تحالفات جديدة. فقد عززت الإمارات علاقاتها مع إقليم صوماليلاند خلال السنوات الماضية، بينما وقّعت إثيوبيا مذكرة تفاهم عام 2024 تسمح لها باستخدام موانئ الإقليم وتطوير ممر اقتصادي يصل إلى ميناء بربرة بدعم إماراتي.

 

في المقابل حافظت إسرائيل على علاقات وثيقة مع كل من الإمارات وإثيوبيا، وأعلنت اعترافها باستقلال صوماليلاند في ديسمبر 2025، وهو ما يعتقد بعض المحللين أنه سرّع التحركات الإقليمية الأخيرة بين تركيا ومصر والسعودية.

 

ويبقى السؤال الرئيسي، وفق الكاتب، حول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستعترف بسيادة صوماليلاند أم ستستمر في سياسة “صومال واحد”. وقد تعرضت واشنطن لضغوط من بعض السياسيين الأمريكيين الذين يدعمون هذا الاعتراف ويرون فيه وسيلة لتعزيز النفوذ الأمريكي في البحر الأحمر.

 

ويرى الكاتب أن موقف واشنطن سيحدد إلى حد كبير شكل التوازنات المقبلة في المنطقة، خاصة مع اهتمام الهند المتزايد بتأمين طرق التجارة ضمن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط.

في النهاية يخلص التحليل إلى أن مستقبل البحر الأحمر لن يتحدد فقط عبر المواجهات العسكرية، بل أيضًا عبر شبكة التحالفات الاقتصادية والعسكرية التي تتشكل حاليًا بين القوى الإقليمية والدولية، بينما تراقب واشنطن التطورات بحذر وسط تساؤلات متزايدة حول مدى استعدادها للحفاظ على نفوذها في هذا الممر الحيوي للتجارة العالمية.

 

www.jpost.com/opinion/article-888778